فضاء الإبداع

هذا فضاء للجميع فدعونا نحلق معا في أفق الإبداع
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 السخرية في شعر عزت الطيري : طرافة التّخييل و فنّ مداعبة الموقف بقلم شهيد القرى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عزت الطيرى



عدد الرسائل: 31
العمر: 58
الجنسية: مصر
تاريخ التسجيل: 13/05/2008

مُساهمةموضوع: السخرية في شعر عزت الطيري : طرافة التّخييل و فنّ مداعبة الموقف بقلم شهيد القرى   الخميس 17 يوليو 2008, 11:14 pm

السخرية في شعر عزت الطيري : طرافة التّخييل و فنّ مداعبة الموقف .




تطرح قضيّة التخييل و التّداول في الشّعر بحدّة لما نتناول بالنقد نصوص السخرية باعتبار ما يحكمها غالبا من مواقف لها خلفيتها الأخلاقيّة الثابتة التي يُضمَر فيها الوثوق . و البعد التداولي للسخرية الذي ينفصل عن التخييل يدفعنا إلى مساءلة شعريّة النص في حد ذاتها . والواقع أن هذا هو الذي يجعل الكتابة الشعريّة في السخرية عملا معقّدا و صعبا . فيمكن أن يحقق نص ما غرض الإضحاك ، لكنّ مقومات التداول و ألفة الأساليب و طابع محاكاة الواقع يمكن أن تجعل منه نمطا من " التهريج الأدبي" .
الكتابة الشعرية في السخرية لدى عزت الطيري تمثل نموذجا منفردا ، إذ ترتقي إلى مستوى الفنية الأدبية و تتحقق فيها مقوّمات التخييل بالبراعة في توظيف الأساليب الفنيّة :
الترميز و الطاقة الانتشاريّة لخطابه :
الترميز في أكثر نصوص السخرية لعزت الطيري إما فني أو لغويّ ، ولا يمكن إدراك تأثيريّته الجماليّة إلّا من خلال النظر في المسافة التي تفصل بين سياقات المألوف و ظاهر بساطته و بين إمكانات خدمته للصّورة ، نستعرض لبيان ذلك نموذجين من نصوص الطيري :
*((نموذج نص " الراعي" ))
" يكسر مزمارا
و يقامر
حين اكتشف ضياع النعجة
من سرب قطيعه
الراعي يثغو
لا ذئب أتى
لا ريح و لا إعصار
و لا محض غبار هبّ
فأعماها
الراعي يهذي
أتراني أحصيت نعاجي خطأ
عند خروجي في الفجر إلى المرعى
أتراني نمت
فجاء الذئب
و جاءت ريح و غبار
أتراها...
الراعي يمضي للبيت
ويحلم
أن أباه سيلطمه :
يا هذا الأهوج
كيف تركت النعجة
جوعى في البيت
و رحت إلى الكلإ بمزمارك
و بسرب نعاجك !! أهمّية السرد في هذا النص تكمن في ما له من طاقة لخلق التوارد الذي يمثل تحوّلا خطابيّا من خلاله يتحقق التخييل الشعري . فالإضحاك مصدره في الظاهرهو الموضوع : (( ضياع نعجة !! و حيرة الراعي)) لكن بسياق السرد (( كسر مزمارا – اكتشف ضياع النعجة- التساؤل – الحلم )) و بالأساليب البيانيّة كالاستعارة الحسّيّة الطريفة (( الراعي يثغو ،،، )) ندرك أنّ الكلام غير مرتهن بالموضوع ، وعندما نقف عند هذه الاستعارة ندرك شحنته الحقيقيّة . هي هنا استعارة محسوس لمحسوس و أهمّيتها تكمن في العلاقة بين المستعار و المستعار له، إذ يتجانس الراعي مع الرعية ، فهو فرد منها ، ونحن إزاء معنيين ( الراعي مهمل + الراعي من جنس الرّعيّة ) و هو ما يحيلنا دون حاجة إلى جهد ذهني كبير إلى المغزى السياسي للنص . و تتابع التفاعل الدلالي بين الأشياء يكشف عن معان قريبة ، فالمزمار هو بوق الخطاب السياسي /و الراعي : صاحب السلطة السياسية / قطيع النعاج : أفراد الشعب /و الريح و الغبار : الرفض و الثورة
و لضياع النعجة رمزيته الخاصّة البالغة الدّلالة ، إذ يفيد الخروج من دائرة التملك و الرقابة ، وهو ما يجعل شغل "الراعي" أن يحصي و يعاين و يبحث ضمانا للهيمنة ، كما تتضح من خلال ذلك دلالة حلم الراعي/ السائس( النعجة في البيت : هي أبعد ما تكون من الابتعاد عن بوتقة الإذعان ،، بل هي أصلا لا ترعى ،محرومة سجينة البيت دون كلإ) . ومن اليسير أن نفهم رمزية ذلك سياسيا فالسائس يحلم أن يظل الخارج عن سطوته منسيّا و محروما ...لكنه لن يكفّ عن البحث عنه !!.
*(( نموذج نص : اللص))
نظر إلى وجه الماء
فشاهد صورته تتلألأ
أعجبه الشّكل فخطف الصورة ،
من وجه الماء و طار !...
نستبعد المعنى الظاهر الذي يدفع به الانطباع إلى ذهن القارىء من الوهلة الأولى، و هو تأصل اللصوصية في اللص حتى أنه يخطف صورته من وجه الماء ، فذلك المعنى تقف أهميته عند كونه مصدرا الإضحاك و شعرية النص لا تتحقق في هذا المستوى للقراءة ، هنا لا بد من الوقوف عند الملفوظ ( نظر – شاهد-..أعجبه الشكل) ففعل " نظر " يتضمن معنى التأمل ، و فعل " شاهد" وزنه فاعَل و معنى زيادته هو المبالغة في الفعل . أفلا يكفي " اللص" أن يلمحَ لينهب؟ ثم أي معنى للإعجاب بالشكل؟ في كل ذلك ما يهدم المعنى الظاهر . و من خلال الملفوظ ندرك أن المشهد له رمزيته العميقة و لمّا نتأمل نلفى أن تلألأ الصورة يعبر عن الذات في نرجسيتها ، و ما الماء إلا الحياة و مصدرها ، فإزاء غياب حميمية الانتماء وإزاء تغييب المعنى لا بد من استرجاع الذات لصورة ما -هي لها أو هي تتوهمها لها- استرجاعا جعله الشاعر لصوصية . فالسائد / اليومي يشوّه تلك الصورة بألوانه و يبعثرها ، و الذات اللاهثة خلف معناها تجده في الماء /جوهر الحياة و عمقها لا سطحها ، و مأساتها أن تسلبه سلبا ، أن تختلسهُ.
بين النص الشعري الساخر للطيري و بين قارئه إذًا مراوغات ، و القارىء لا بدّ أن يسعى إلى تثبيت مجال المراوغة من أجل خلق حدّ للالتقاء ، لاتعدو قراءة النموذجين الآنفين إلّا وضعا فرديّا لذلك الحدّ، و بصرف النّظر عن مدى قبولها فإنّ ما يعنينا هو المنطق الذي يحكمها ، فنصوص عزّت الطيري التي تقوم على الترميز تحتضن رسائل دلاليّة تقتضي استتباعا للمعنى من خلال هدم أطر احتباس اللغة في مألوف استعمالها .
القياس و طرافة الاستنتاج :
لنا أن ننطلق من مثال (( نص : تأجيل))
الزوجة الصغيرة
المكحلة
وزوجها العجوز
و الولد الجميل
عند الشرفة المقابلة
خيانة
مؤجّلة ...
النص ورد جملة اسميّة واحدة تكونت من مبتدإ ( الزوجة الصغيرة المكحلة و زوجه العجوز و الولد الجميل عند الشرفة المقابلة ) و خبر ( خيانة مؤجلة ) و الطرافة هنا في خلق علاقة الاستنتاج القائمة بين المبتدإ و الخبربتوظيف الوصف و تحديد الظرف ، فالصفات تتضمن منطقا معينا ( الزوجة صغيرة مكحلة = مغرية // زوجها عجوز = تقابل بين صفته و صفتي الزوجة // الولد الجميل = جمع الصغر و الجمال تناسبا مع الزوجة ) ، ففي التقابل بين الزوجين تنافر ، بينما نفهم معنى الالتقاء أو التقاطع من التناسب بين الزوجة و الجار ، هذا القياس يدعمه سياق اللقاء الحسي البصري الذي يحققه الظرف المكاني ( عند الشرفة المقابلة ) ، أمّا الاستنتاج فتأليفيّ إنشائي : " خيانة مؤجلة" يكون بطلاها المتناسبيْن و ضحيتها الشّاذ عن التناسب
*(( نموذج نص :صدقة جارية ))*
تمشين صباحا
كالظبي المختال
بسحر عذوبته البيضاء
تهبين الشعر
إلى الشعراء
و الكحل الأسود
يهمي
من عينيك
إلى ألوان الرسام
و التفاح المتساقط
من خدّيك
إلى الجوْعى
و هواء النعناع الهارب
من فمك العطري
إلى مرضى الصّدر
و الرّمّان المتقافز
من شجر النّهدين
إلى الطفل المفتون
بكُرة المطّاط
تهبين
و تهبين
كأنك إذ تمشين
صدقات جارية
تمشي !
إن قوام الإضحاك هو تعدد حالات الالتقاء بين " حاجة الموهوب إليه " و "الهبة التي تمنحها المُخاطَبَة " ، حاجة الشاعر إلى عذوبة الشعر ( سحر المشية) و الرسام إلى اللون ( كحلها )و الجوعى إلى التفاح ( خداها) و مرضى الصدر إلى هواء النعناع ( عطر فمها)و الطفل إلى كرة المطاط ( نهداها) . جُعلت المخاطبةُ تفي بالحاجات جميعها في سياق لظاهر الغزل العابث و الهزء المضمَر . لكنّ أهمّ ما في النّص هو أن ذلك الالتقاء قام على لعب فني بتقنية التخيل التركيبي ( تفاح متساقط من خديك- هواء النعناع الهارب من فمك- الرمان المتقافز من شجر النهدين ) و على خلق ما يناسب كلّ متخيَّل لدى كل طرف ضامىء ( الشاعر / الرسام/ الجوعى/ مرضى الصدر/الطفل) لبناء استنتاج تضمنه التشبيه (كأنك صدقة جارية ..تمشي )
تقنية المشهد / الصورة :
هي لا تأخذ حيزا كبيرا من الشعر الساخر للطيري ، و في المستوى الفنّي هي تلتزم غالبا تقنية المشهد / الصورة المألوفة في أدب السخرية عامّةً ، لذلك فالقيمة الفنيّة للتخييل فيها تبقى دونها في سواها .
* (نموذج نص : تداعيات ))
"يحملني التفكير المضني في البنت
إلى البنت
تحملني البنتُ إلى الشرطة
والشرطة للسجن
والسجن إلى الوحدة
والوحدة للتفكير المضني في البنت
وإلخ
إلخ
… إلخ"
فعل " يحملُ" ورد مضارعا مفيدا للاستمرار ،و هو هنا فعل/ حالة و هو يمثل نقطة في حركة دائريّة ( التفكير المضني – الشرطة – السجن – الوحدة – التفكير المضني ) .إن الصورة/ المشهد المتخيّل تدفع القارىء للابتسام ، فالصورة يتضمنها شكل ركحي مشهديّ ينأى عن المألوف في أدب المسرح ، وحين نتأمل المعنى نجده سفرا في سؤال مّا . وضمن الإطار المشهديّ يتاح للنقطة الركحية أن تستحيل مسافةَ ذهنية ممتدّة تنكشف خلالها تشريحيّة العالم المخفي الذي تخترقه البصيرة الفنيّة تعرية و فضحا (( ما استقر عليه فهمنا للعاطفة - ما نألفه في الوجدان – المسافة بين الأفراد – التواصل – ....)

طرافة المفارقة :
تظل المفارقة عنصرا أساسيّا في أدب السخرية عامة ومصدرًا خصبًا للإضحاك ، و ما يُميّز توظيف الطيري للمفارقة هو التفنّن في اقتناص المشهد المتضمن لها من الواقع المألوف و تطويعه لخدمة معنى يبتكرهُ :
*(( قصائد الموت الجميل))
"حينما زرتها
لم أجد غير سور
و الحديقة
تهرب من فتحة الباب
نحو الطّريق ...."
فلفظا "سور" و " هروب" يدلان في الظاهر على الصد و الرفض ،و الإضحاك مصدره المعنى الظاهر المتمثل في حال الزائر ، لكنّ لفظ " الحديقة " يزهدنا في ذلك المعنى ، هو لفظ من احتمالاته صفات الحبيبة باعتبار دلالة الصفات على الموصوف ، و أن " تهرب من فتحة الباب " تركيب أسند فيه الفعل إلى كلّ للدلالة على حركة البعض ( العين تنظر من فتحة الباب إلى الطريق ،،، تهرب إليها ) . فالمعنى هو تصوير لحظة اللقاءو شوق الحبيبة و انتظارها ، بينما تبقى للسّور دلالته المعنويّة ( الرقابة الاجتماعيّة – محاصرة العاشقيْن ..) . والمفارقة بين ظاهر معاني المفردات و بين احتمالاتها تخلق مفارقة أخرى بين حالتين للزائر يجول الذهن بينهما .
*(( قصيدة التراب و غيره ))
"الترابُ يدخل رغما عنا
في أغانينا الوطنيّة
و في مفاوضاتنا "
فتعدد احتمالات المفردة تنتجه التورية ، و للتراب هنا معنيان ( أرض الوطن و هو المعنى الظاهر ، و ماهو من التربة و رمزيته هي المقصودة لا هو بذاته) و التورية وظفت للدلالة على تطيّن الفعل السّياسي و رداءته . و " الأغاني" و " المفاوضات" في علاقتها بذلك الواقع تمثّل جانبا مقابلا تنكشف عبره مجموعة من المفارقات .
*(( من : قصائد كتبت نفسها بنفسها ))
"ياحلو الذبح
لا تحرمني
من سكّين حنانك"
الصفات هنا تسند إلى غير موصوفها ، و هي المقصودة ( الحلاوة- الحنان) و المفارقة قائمة في التلاعب اللفظي الذي يتيحه المجاز العقلي و الذي يحقّق الإضحاك . أمّا المعنى فهو تحوّل الطبيعة التصويريّة المألوفة جماليّا للعاطفة ، و الشاعر إذ يلتقط الصورة من " العامّي / المعيش" يمضي في كشفها شعرا للنظر فيها و الوقوف على نزعة " عنف اللفظ"التي تختزن تصوّرا مختلفا للجماليّة .
" وضع القفل الصدىء
بآنية الماء
فنبتت
في الماء
مفاتيح ....."
المفارقة في ظاهر المعنى قائمة بين صفة القفل ( القفل الصدىء ) و في عدم منع تلك الصفة من " نبات مفاتيح " له . هنا لنا أن نعتبر رمزيّة الماء واضحة جليّة غير أن معنى أن تنبت المفاتيح يبعث على الإضحاك خاصة لما فيه من إضمار للدلالة الجنسية ( قفل / مفتاح ) ، و تبقى احتمالات مفردة " قفل" و " مفاتيح" على ذلك متعدّدة ، ففي الحياة تناسبٌ "طبيعيّ" بين عنصر و آخر أدركنا ذلك أم لم ندركهُ ، و فيها مسار حتميّ للتآلف بين كلّ متناسبيْن ، مهما تكن الحال ( القفل الصدىء هو الآخر رغم صدئه تناسبه مفاتيح عدّة... ) فالإنسان و الحياة محكومان بطبيعة مّا نظلّ نسأل عن حقيقتها ، لكننا تتوهنا الأسئلة حتّى نتجاهل وجودها ، ثمّ نُفاجأ بأحكامها أو ما نعتقده أحكاما لها ..أو ندّعي المفاجأة
*(( نص : الجبان ))
كيف أضعت هواكَ الأولَ
كيف تركتَ فتاتك للريح
وللبرد
وللمطر القروى الظالمِ
لغريب
جاء ليلتمس الدفءَ
بأهداب نعومتها
ويريق الذهب الوهاّجَ
على أعتاب قطيفتها
أو
كيف شربتَ النخب
سعيدا
فوق جماجم قتلاك
قتلاك
هواكَ وبسمتها
وحنين يديها
وقصائدُ موتٍ
قالتها
فيك جهارا
ونهارا
وتغنـــــّـتْ
وأقرّتْ
ومواثيق اصطفـّـت
والتفـــــــــّــــــتْ
ونمارقُ
وزرابىُّ جميلاتٌ
بـُثــــــــّــــتْ
ياهذا الولد الفاجرُ
ياأجبن من كل جبانٍ
ياأحقر من أى ذباباتٍ
رفـــّتْ
يا
ع
ز
ت
نقف هنا عند طرافة مفارقة السخرية من الذات التي يخلقها التداخل بين " الذات الشاعرة " و بين " الشخصيّة الواقعيّة : عزّت " ، ومباغتة القارىء تعمّق تلك المفارقة من خلال تقدّمه في العبور الحسّي لمساحة النّص فالصفات ألأسوأ " الولد الفاجر،، أحقر من ذبابات رفّتْ"ترد في آخره ، بينما تتم المباغتة باسم المخاطَب الذي يرد همسا متقطّعا . و المفارقة اعتمدت في النّصّ أداة للتعبير عن قسوة الذات على الذات أي ذات مطلقا ، لا ذات الشاعر طبعا ،إذ لا يتجاوز توظيفها الغرض الفنّي ، و من خلال تلك القسوة ينجلي معنى بكاء الصدق و الشهامة و الوفاء .

ليس شعر السخرية لدى الطيري "فكاهيّا و لا " هزليّا " ، إنما هو نتاج فنّي لحضور المخيّلة السّاخرة الذي يطغى لحظة المكاشفة الشعريّة جاعلا رافده المتين آناء مخاض النصّ تطويع اللغة عبر الأساليب الفنّية التي أنف بيان بعض منها .
و السخرية في شعر الطيري مساءلة ملحّة للنظام الرّمزي تجعل أفق انتظار القارىء رحلةً ذهنيّة تخرج فيها الذّات من موضع ترسّبها الثقافي لتنظر إليها ( إلى الذات) و تمتحن صياغتها و لتبتسم و هي تدرك أن الطين الذي صيغت منه ليس الذي أنست و ألفتْ و أن الشكل الذي يتخذه ذلك الطين تمّت قولبته على نحو يدعو إلى الشّفقة و الألم و الحزن . ذلك أنّ الحركة الإنسانيّة تتخذ مسارات ملتوية . و الإضحاك ما هو إلا إطار للتحوّل الدّلالي من أجل رسم خريطة التواءاتها بما يمنح الكلام من شحنة تعبيريّة تأثيريّة ، فالرّمز و طرافة الاستنتاج و المفارقات تخلق تكثيفا يستدعي القارىء/ الضاحك إلى التأمّل و يستثير وجدانه و عقله ، و من خلال تلك التقنيات يتحقق التخييل بطاقته الخفيّة في المنجز النصّي و يحقق- وهو في كمون - و ظيفته الإنشائية .
و الحركة الإنسانيّة في مسارها الملتوي المتشنّج تبقى موضع التخييل و أفقه ، فالمضمون السّياسي لنص الراعي – مثلا- لا يقدم وصفة إيديولوجيّة ، و لا ينشغلُ بآلام المضطهد كما نألفها و لا بفظاعة الطغيان إنّما وظّفت فيه المُخيّلة السّاخرة لمداعبة القارىء إذ تقترب من ذهنه حالة هوس الراعي/ السائس و حركته في ارتباكها و جنونها و في سذاجة ما يبنيه من علاقة بوجوده و بغيره .
وفي نص" اللص"- مثلا- يغيب المعنى العادي للاغتراب و البحث عن الذات ليحضر معنى آخر هو اقتناص الذات للحظة وعيها بكينونتها بصرف النّظر عن تشكل حقيقة تلك الكينونة . و موقف الاقتناص يحيلنا على معاناة البحث و مكابدة مأساتها .

فليست السخرية في شعر الطيري محاكمة قيميّة بقدرما هي مساءلة طريفة للموقف و السلوك ، فالصور الشعرية الموحية لا تنطلق من نموذج جاهز لما ينبغي أن يكون من منظور قيم اجتماعيّة معيّنة أو قوالب محدّدة ، إنما هي استثمار ذكيّ للتناقض و كشفٌ للقصور العقلاني للحركة الإنسانيّة في تلقائيتها التي يعبث بها خضمّ التحوّلات السريعة المجنونة لعالم القيمة . وهي لا تقدّم بديلًا ما ، بل تقف عند محاورة واقع تلك الحركة للبحث فيه عن عالم مخفيّ متوسّلة بما تقتنصه العين الفنّيّة الساخرة من ملامحه وما يتشكّل شعريّا ضمن فنّية تستجيب لفوضاه المؤلمة المضحكة في آن ، فاعتباطيّة الرّمز و تعسّف اللغة في نصوص عزت الطيري يخلقان أجنحة للخيال ليؤدّيا وظيفة أساسيّة هي خلق الإيحاء بالركح المضطرب لحركة الإنسان إزاء ما يعتور " العقل الجمعي" من تشويش و ارتباك محموم .
_________________
على قلق كأن الريح تحتي** أوجهها جنوبا أو شمالا
( المتنبي)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
د. مصطفى عطية جمعة
مشرف قسم دراسات وآراء في النقد الأدبي


عدد الرسائل: 183
العمر: 44
الجنسية: مصري
تاريخ التسجيل: 08/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: السخرية في شعر عزت الطيري : طرافة التّخييل و فنّ مداعبة الموقف بقلم شهيد القرى   الجمعة 18 يوليو 2008, 5:32 pm

[center]الأستاذ شهيد القرى
الشاعر / عزت الطيري
تحياتي إليكما
الدراسة هنا تشير إلى ملمح جديد في السخرية ، فهي تتخطى المفهوم السائد بأن السخرية إضحاك وابتسامة من أشياء إلى السخرية باستخدام المفارقة والصورة والتركيب واللفظة .
جميلةهذه الدراسة ، ونرجو أن تكون هناك دراسات تنحو هذا المنحى الأسلوبي في التحليل .
تحياتي لكما .[/center]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 

السخرية في شعر عزت الطيري : طرافة التّخييل و فنّ مداعبة الموقف بقلم شهيد القرى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

 مواضيع مماثلة

-
» جماهير الإفريقي تحتج على نتائج الفريق في الدوري التونسي .. والأمن يتدخل لإنقاذ الموقف

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
فضاء الإبداع :: -